محمد بن محمد ابو شهبة
569
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
بم أحرم النبي ؟ وقد اختلفت الروايات في الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث والسير في صفة إحرامه صلى اللّه عليه وسلم في حجة الوداع اختلافا كثيرا ، واختلف تبعا لذلك أئمة العلم والفقه والحديث : أكان رسول اللّه مفردا ، أم قارنا ، أم متمتعا « 1 » ؟ . وليس من شأني هنا أن أعرض لذلك بالتفصيل ، فذلك يحتاج إلى رسالة ، ولكني أقول : إن الذي عليه المحققون من العلماء أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أهلّ بالحج ، ثم أدخل عليه الإحرام بالعمرة فصار قارنا ، واستمر على ذلك لم يتحلل من عمرته حتى قضى النسكين ، لأنه كان ساق معه الهدي كما ذكرنا . ثم إنه صلى اللّه عليه وسلم أمر من أحرم بالحج ولم يسق الهدي أن يجعله عمرة ويتحلل منها ، ثم يهل بالحج يوم التروية ، فمن ثمّ حصل هذا الاختلاف ، فمن روى أو رأى أنه أهل بالحج فقط أراد ما أهل به أولا ، ومن قال : إنه كان قارنا أراد اخر أحواله ، ومن قال إنه كان متمتعا أراد التمتاع اللغوي وهو الانتفاع بالجمع بين الحج والعمرة في أشهر الحج ، أو أنه فهم من أمره بالاقتصار على العمرة والتحلل منها ثم الإحرام بالحج بعد أنه كان متمتعا « 2 » . وأحب أن يضع القارئ الفطن في اعتباره أنه من المستبعد أن تتفق عشرات الألوف هذه كلها على رواية أو رأي ، إذ لم يسمع الكل من النبي أو يروا ما صنعه في وقت واحد ، وبذلك لا يهوله هذا الاختلاف ، ويستبعد من تفكيره أن يكون مبعثه التناقض ، أو الهوى والتزيد . وفي سرف - مكان قريب من مكة - أمر رسول اللّه من أحرم بالحج
--> ( 1 ) المفرد : المحرم بالحج فقط . القارن : أن يحرم بالحج والعمرة معا . أو يحرم بالحج ثم يدخل عليه العمرة ، أو بالعكس . المتمتاع : أن يعتمر أولا في أشهر الحج ، حتى إذا فرغ منها أحرم بالحج . ( 2 ) راجع صحيح مسلم بشرح النووي ، ج 8 ص 135 ؛ وفتح الباري ، ج 3 ص 335 ؛ والبداية والنهاية ، ج 5 ص 140 .